ذكرت صحيفة «ذي ناشيونال» أنّ انخفاض قيمة الدولار يؤثر بشكل متفاوت على منطقة الخليج، حيث يتأثر سلوك الإنفاق والتحويلات المالية، إذ يصبح السفر للخارج وشراء السلع الفاخرة أكثر تكلفة على المقيمين الذين يتقاضون أجورهم بالعملات المحلية المرتبطة بالدولار، ما يقلّل قدرتهم الشرائية.
كما يُتوقع أن يؤدي ضعف الدولار إلى انخفاض قيمة التحويلات المالية للمغتربين عند تحويلها إلى عملات بلدانهم الأصلية، ما يدفع بعضهم إلى تأجيل أو تقليل المبالغ المُرسلة، علاوة على ذلك، يرفع ضعف الدولار تكلفة الواردات من أوروبا واليابان، ما قد يغذي التضخم ويؤثر على ميزانيات الأسر.
في المقابل، يُقدم ضعف الدولار فرصاً اقتصادية للمنطقة، فهو يعزز السياحة الوافدة من أوروبا ودول أخرى بعملات أقوى، حيث تصبح تكلفة السفر والإقامة في الخليج أكثر جاذبية لهم، كما يشجع ضعف الدولار على زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، خصوصاً في قطاع العقارات، نظراً لأن الاستثمار يصبح أقل تكلفة على المستثمرين من البلدان التي تتمتع بعملات قوية. هذا التحول يدفع المستثمرين في الخليج إلى إعادة تقييم محافظهم، والبحث عن استثمارات بديلة في الذهب أو الأسهم الأجنبية والأسواق الناشئة، ما يساهم في تنويع استثمارات المنطقة.
تحول في السلوك
وفي تقرير نشرته شركة «PwC»، قال إن المستثمرين يُظهرون تحولاً في سلوكهم المعتاد، إذ طغت المخاوف المتزايدة في شأن الاقتصاد الأميركي على جاذبية الدولار كملاذ آمن خلال فترات الاضطراب. ويؤثر ضعف الدولار بشكل سلبي على دول مجلس التعاون الخليجي، حيث إن معظم إيرادات المنطقة تأتي من مبيعات السلع المُسعرة بالدولار، في حين أن وارداتها تُدفع بعملات أخرى. هذا التباين، إلى جانب ارتباط العملات الخليجية بالدولار، يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الواردات والعمالة الوافدة، ما قد يُضعف الميزان المالي وميزان الحساب الجاري ويُفاقم من تأثير انخفاض أسعار الطاقة.
ومع ذلك، يحمل ضعف الدولار جوانب إيجابية للمنطقة، فهو يُعزّز القدرة التنافسية للصادرات غير السلعية وقطاع السياحة، الذي يكتسب أهمية متزايدة لدى العديد من دول مجلس الخليج.
تخفيض الفائدة
وذكرت صحيفة فايننشال تايمز، أن الأداء السابق قد لا يكون مؤشراً للنتائج المستقبلية، ولكن هناك ما يدفع المستثمرين إلى مراجعة توقعاتهم في شأن تخفيض أسعار الفائدة الأميركية. هذا التحول يشير إلى أن معظم فئات الأصول ستستفيد إذا ما دعمت السياسة النقدية التوسعية الاقتصاد الأميركي، وهو ما تعكسه بالفعل الأسواق الصاعدة للأسهم والسندات.
تقليدياً، عندما يستأنف الاحتياطي الفيدرالي، تيسير سياسته النقدية بعد فترة من التوقف، وينجح في تجنب أي تباطؤ اقتصادي، يرتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بقوة. ووفقاً لـ «غولدمان ساكس»، بلغ متوسط المكاسب السنوية للمؤشر بعد أول خفض للفائدة نحو 15 في المئة على مدى الأعوام الأربعين الماضية. أما عن الشركات التي تتأثر، ففي حين تتراجع أرباح البنوك وشركات التأمين بسبب انخفاض هوامشها وعوائدها، فإنّ شركات أخرى، مثل شركات المرافق والاتصالات، التي تعتبر دفاعية، عادةً ما تكون من بين الرابحين، لكن ما يختلف هذه المرة هو ضعف الدولار، حسب الصحيفة البريطانية.
ففي المرة السابقة التي بدأ فيها «الفيدرالي» بخفض أسعار الفائدة قبل عام، رافق صعود أسعار الأسهم ارتفاعاً في قيمة العملة، لكن هذا العام، وبينما تعافت الأسهم بسرعة من اضطرابات أبريل المتعلقة بالرسوم الجمركية، وأصل الدولار انخفاضه.
منذ يناير، فقدت العملة الأميركية عُشر قيمتها مقارنةً بسلة من شركاء الولايات المتحدة التجاريين، متأثرةً بتوقعات خفض الفائدة والمخاطر التي تهدد استقلال «الفيدرالي» نفسه. ويتوقع العديد من المحللين استمرار هذا التراجع. ولا يُثير هذا الضعف حماس المستثمرين الأجانب، فبينما لا تزال أسهم الذكاء الاصطناعي تجذب متابعين مخلصين، تحدث بنك أوف أميركا عن بناء صفقات «أي شيء إلا الدولار».
سيف ذو حدين
يُعد انخفاض الدولار سيفاً ذا حدين للاقتصاد العالمي. بالنسبة للاقتصادات الناشئة، مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، يفتح أبواباً للنمو. أولاً، يقلل من عبء الديون المقومة بالدولار، حيث يجعل السداد أرخص، ما يحرّر موارد للاستثمار المحلي. ثانياً، يجذب تدفقات رأس المال الأجنبي بحثاً عن عوائد أعلى، حيث يقوي العملات المحلية ويحسن القدرة التنافسية للصادرات.
وفي مقال نشره موقع «سي إن بي سي»، يقول إن ضعف الدولار يدفع إلى شراء الذهب كبديل احتياطي، حيث اشترت البنوك المركزية 24 طناً شهرياً في النصف الأول من 2025، وهو أعلى مستوى منذ 1979، ما يعزز الاحتياطيات في الدول الناشئة ويقلل الاعتماد على الدولار.
ويقول لوسون ويندر، محلل في بنك أوف أميركا: «نعتقد أن البنوك المركزية تشتري الذهب لتنويع الاحتياطيات، تقليل الاعتماد على الدولار والتحوط ضد التضخم وعدم اليقين الاقتصادي». وبحسب توقعات وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، من المتوقع أن يدفع هذا الأمر إلى نمو هذه الاقتصادات بنسبة 4-5 في المئة في 2026.
أما صحيفة «فايننشال تايمز»، فقد لفتت إلى أنه من المرجح أن تكون الأسواق الناشئة هي المستفيد الرئيسي من هذا الوضع. فمن جهة، ستتحسن آفاق نموها بفضل تخفيضات أسعار الفائدة الأميركية التي تدعم الاقتصاد العالمي. ومن جهة أخرى، تشهد هذه الأسواق بالفعل مساراً للتيسير النقدي، حيث تتجه 19 من أصل 21 دولة يتتبعها بنك «جي بي مورغان» إلى خفض أسعار الفائدة لديها.
كما أن ضعف الدولار الأميركي يعزز من قيمة العملات المحلية في هذه الأسواق، ما يمنح المستثمرين الأجانب ثقة أكبر. وقد انعكس هذا الأداء بالفعل على مؤشر «مورغان ستانلي كابيتال إنترناشيونال» للأسواق الناشئة، الذي تفوق على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» منذ بداية العام.
تحول في الديناميكيات
رغم أنّ التوقعات انتعاش الأسواق الناشئة قد ثبت خطؤها، ترى «ذي ناشيونال» أن الوضع الحالي يبدو مختلفاً، فتعرض بنك الاحتياطي الفيدرالي لضغوط من الرئيس الأميركي، إضافة إلى خفض أسعار الفائدة، يزيد احتمالية استمرار ضعف الدولار. وهذا بدوره يجعل الأصول البديلة للأصول الأميركية أكثر جاذبية للمستثمرين، سواء كان ذلك مقصوداً من البيت الأبيض أم لا.
9 تأثيرات لانخفاض الدولار:
1 – رفع تكلفة واردات الخليج والعمالة الوافدة
2 – التأثير على معظم إيرادات المنطقة من مبيعات السلع المُسعرة بالدولار
3 -تعزيز القدرة التنافسية للصادرات غير السلعية بالخليج
4 – تغذية التضخم والتأثير على ميزانيات الأسر
5 – ارتفاع جاذبية الأسواق الناشئة للاستثمار الأجنبي المباشر
6 -دفع المستثمرين في الخليج إلى إعادة تقييم محافظهم
7 – صعود شهية البنوك المركزية لتخزين الذهب
8 – تأثر الإنفاق والسفر للخارج وشراء السلع الفاخرة
9 – تراجع تكلفة السفر والإقامة خليجياً ما يزيد السياحة الوافدة


