– الشيباني دعا عون وبري إلى زيارة سوريا
– عون: لن نفرط بأي شبر من أرض لبنان
تَقاسَم المشهد في بيروت قَلْبُ الصفحةِ في العلاقاتِ بين «سوريا الجديدة» ولبنان ومختلف القوى السياسية فيه، وهو العنوان الذي حملتْه الزيارة البارزة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وخفوتُ طبولِ «الانقلابِ» السياسي و«ما فوق» التي قَرَعَها «حزب الله» بوجه «الإطار الثلاثي» اللبناني – الإسرائيلي – الأميركي قبل أن تفرضُ الديناميةُ «المتّصلة» بين مَساريْ «بلاد الأرز» وإيران تبريدَ «الرؤوس الحامية»، ولو مَرْحَلياً، وتَفادي أن تصيبَ تشظياتُ أيِّ جرعةٍ زائدة في الاعتراض المفاوضات الشاقة التي تخوضها طهران مع واشنطن.
وفي وقت كان لبنان يستعيد زمامَ المبادرةِ سياسياً عبر هجوم مُعاكِس احتوى معه الهجمةَ الأشرس من «حزب الله» على «الإطار الثلاثي» وتلويحَ رئيس البرلمان نبيه بري بـ «جلْبه» إلى مجلس النواب لإسقاطه، عبر دَحْضِ «التشويه المتعمّد» لمرتكزاته ومضمونه وتأكيد أن طبيعته الـ «ما دون اتفاق» تُسْقِط موجبات عرْضه على المؤسسات الدستورية لإبرامه، أعطى بري إشارةَ «فرْملةٍ» واضحة للمناخِ التوتيري السياسي راسماً «إطاراً مضاداً» لمسار واشنطن الذي يقوم على معادلة انسحاب إسرائيل من الجنوب تدريجاً وسحْب سلاح الحزب بالتوازي في كل لبنان، وقوامه «الحزب مستعدّ للانسحاب من جنوب الليطاني بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي كامل».
أما بالنسبة إلى السلاح شمال الليطاني، فأكد بري «أن الموقف يقوم على احتواء السلاح ضمن إطار الدولة اللبنانية، ليس في شمال الليطاني فحسب، بل في كل لبنان، بحيث تكون الدولة المرجعية الوحيدة»، مكرراً الدعوة إلى مظلة دولية تساعد على إنجاز التسوية وتخرج لبنان من الأزمة «ويجب أن تضم الولايات المتحدة والسعودية وإيران».
وما خلص إليه مسار واشنطن في جولته الأخيرة والذي بات لبنان الرسمي يطلق عليه «صيغةَ الإطار» وليس الاتفاق، باعتباره «خريطة طريق» للمفاوضات المقبلة «تنتج عنه التزامات سياسية وليست قانونية»، و«لم يبلغ بعد مرتبة الاتفاق أو المعاهدة ليُعرض أو يُبرم أصولاً في المؤسسات الدستورية»، كما قال رئيس الوزراء نواف سلام، في مستهلّ جلسة الحكومة، احتلّ جزءاً لا بأس به من محادثات الشيباني في بيروت، في ضوء التأثير البدهي لمسار لبنان التفاوضي وسقفها و«المنتَج النهائي» لها، على وضعيةِ دمشق التي كانت خاضت «مفاوضاتٍ تجريبيةً» مع إسرائيل ليبقى بعدها العاملُ الأمني – العسكري هو الناظم الوحيد لمسارِها الذي «تَجمعه» مع لبنان جغرافيا «المنطقة الأمنية» في جنوب البلدين.
خلاصات ونتائج
وفي حين اعتُبر ملف ضبط الحدود في الاتجاهين، أحد العناوين التي تطلّ على قضية حصْر السلاح بيد الدولة اللبنانية من بوابة قطع الطريق على عبور أي سلاح في اتجاه «بلاد الأرز» وخنْق الاقتصاد الموازي الذي يتغذّى من التهريب عبر سوريا، فإنّ زيارة الوزير السوري انطبعتْ بأربع خلاصات ونتائج رئيسية:
– تكريسه مواقف الرئيس أحمد الشرع، رداً على تلميح الرئيس دونالد ترامب، بالطلب من سوريا التدخل بمواجهة حزب الله في لبنان، عبر تأكيد الشيباني، عدم وجود أي نية في هذا الاتجاه، وسط حرصه على نفي أن يكون حمل معه أي مبادرة تتصل بالحزب وسلاحه، مؤكداً أن «سوريا الجديدة تنظر إلى لبنان كشريك ودولة ذات سيادة ولا تتدخل في شؤونه إطلاقاً، وأي قضية تُعالَج من خلال التشاور المشترك واحترام سيادة كل منهما».
– «المأسسة» الجديدة للعلاقات عبر توقيع اتفاقية بين الحكومتين لإنشاء اللجنة العليا المشتركة (أقرّها مجلس الوزراء اللبناني الخميس) التي تَطوي صفحة «المجلس الأعلى» الذي أنشئ العام 1991 وشكّل الإطار الناظم لمرحلة «الوصاية السورية» على لبنان.
وتقوم اللجنة على مبادئ أبرزها «احترام سيادة واستقلال ووحدة وسلامة أراضي كل من الدولتين، المساواة بين الطرفين، عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من الدولتين، الالتزام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واحترام علاقات الأخوة وحسن الجوار».
أما أهدافها فأبرزها «تعزيز العلاقات الثنائية، وتطوير التعاون والتنسيق في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك، ومعالجة القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك»، فيما حُددت مجالات التعاون بـ «الشؤون السياسية والدبلوماسية، الاقتصادية والمالية والتجارية والاستثمارية، القضائية والقانونية والأمنية» وغيرها.
– تثبيت ملف فلول نظام بشار الأسد، المتوارين في لبنان وبحماية «حزب الله»، كما يُتّهم، كأحد العناوين الدائمةِ البحث بين البلدين، بالتوازي مع إشارة بالغة الدلالات وجّهها الشيباني، رداً على سؤال بعد لقائه بري، عما إذا كان هناك استعداد للاجتماع مع الحزب والجلوس على طاولة واحدة، إذ قال «لقاءاتنا مُجَدْوَلَة كلها مع الأفرقاء والأطراف اللبنانيين وأيضاً مع الحكومة اللبنانية، واليوم لا يوجد لقاء مع حزب الله، لكن في المستقبل إذا كانت هناك مصلحة تصبّ لمصلحة البلدين فبالتأكيد نحن منفتحون على ذلك».
– حرْص الشرع، على فَتْحِ صفحةٍ جديدة حقيقية مع لبنان وقواه السياسية تَمحو «الذاكرة السوداء» التي راكَمها اللبنانيون بفعل ممارسات النظام السابق على مدى نحو 30 عاماً، وهذا ما يفسّر المروحة الواسعة من اللقاءات التي عقدها، مع رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، الى النائب سامي الجميل، مروراً بالزعيم الدرزي وليد جنبلاط، والقيادة الروحية السنية والمسيحية (المفتي عبداللطيف دريان والبطريرك مار بشارة بطرس الراعي)، وشخصيات سياسية أخرى، قبل محطة ذات رمزية كبيرة في عاصمة الشمال طرابلس.
بري والشيباني
وشكّل لقاء بري، مع الشيباني، محطة بارزة كونها أول تواصل معلَن بين رئيس البرلمان و«سوريا الجديدة»، وسط تقارير (قناة الجديد) نقلتْ أن الوزير السوري حمل رسالة طمأنة للبنانيين خصوصاً المكوّن الشيعي، إضافة الى توجيه دعوة لبري، لزيارة دمشق.
كما أوردت قناة «ال بي سي آي» أن اللقاء «كان صريحاً وحبيّاً وشفافاً جرى خلاله تقييم المرحلة السابقة حيث أكد رئيس البرلمان أن سوريا تبقى العمق الطبيعي للبنان»، وأن «الجانب السوري أبدى تقديره لموقف بري، خلال الحرب السورية، إذ إن حركة أمل لم تنخرط في العمل العسكري في سوريا».
وكان رئيس الجمهورية أكد خلال استقباله الشيباني «أن لبنان متمسك بإقامة علاقات أخوية مع سوريا قائمة على التعاون والتنسيق وعدم التدخل في الشؤون الداخلية»، وأبدى حرصه على «استقرار سوريا تماماً كما حرص سوريا على استقرار لبنان».
ورحّب بتشكيل اللجنة العليا للحفاظ على مصالحهما معاً، وأثنى على «موقف الرئيس أحمد الشرع،تجاه لبنان وتأكيده أن دور سوريا في لبنان لن يكون كما كان في السابق، وأن صفحة جديدة فتحت بين البلدين لن تكون فيها سوريا مع طرف ضد آخر بل إلى جانب جميع اللبنانيين»، معرباً عن ارتياحه للتنسيق الأمني، «خصوصاً لجهة ضبط الحدود ومنع التهريب بكل أنواعه (سلاح، مخدرات، أشخاص…) بالاتجاهين، لما فيه مصلحة كل من لبنان وسوريا».
من جهته، أكد الشيباني «أن زيارته إلى لبنان تهدف الى تعزيز العلاقات وتفعيل التنسيق لاسيما في المجال الاقتصادي»، وأعرب عن«تأييد سوريا لحل الأمور في المنطقة بالحوار وليس بالحروب والمواجهات العسكرية التي لم تسفر سوى عن المآسي والويلات»، مشدداً على«أن السلطة السورية الحالية تعمل على طي صفحة التدخلات المتبادلة التي كانت سائدة في السابق، وأنها تسعى إلى تعزيز التعاون على الصعد كافة، والتعاطي مع كل الافرقاء في لبنان».
وإذ نقل الشيباني، إلى الرئيس جوزاف عون، تحيات الشرع، ووجه له دعوة رسمية لزيارة دمشق، حرص على «توضيح اللغط الذي ساد بالنسبة إلى الحديث عن تدخل عسكري سوري في لبنان»، فلفت إلى «أن لا نية لسوريا في القيام بمثل هذه الخطوة»، معرباً عن الحرص على التعامل مع لبنان من دولة الى أخرى، وأن «دمشق تقف إلى جانب الدولة اللبنانية في قراراتها وخياراتها، وتطوير العلاقات الثنائية والاقتصادية والمساهمة في امن واستقرار لبنان كونه يعود بالنفع على سوريا أيضاً».
في موازاة ذلك، كرر عون، أمام زواره الذين قصدوا قصر بعبدا لدعم مواقفه ومسار التفاوض في واشنطن و«الإطار الثلاثي»الذي تم توقيعه «أننا لن نفرط بأي شبر من أرض لبنان، وليُحكم علينا من خلال التطبيق لأن ما وضعْناه من أهداف نصب أعيننا لا يختلف عن أهداف جميع اللبنانيين من دون استثناء»، معتبراً «أن لبنان تعب من سياسات الوصاية ومن حروب الآخرين على أرضه»، ومشدداً على «أن من يحترم مبدأ السيادة فعليه أن يحترم قرار الدولة في ذهابها إلى المفاوضات، ومن حق الشعب اللبناني أن يعيش حياة كريمة، وهناك فرصة يجب ألّا نفوّتها».
