«اللقاء كان تمام»، عبارةٌ وحيدة قالها رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام لدى خروجه من محادثات الساعة اليوم الاثنين، مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن حيث عَقَدَ أيضاً لقاءات مالية، أبرزها مع وزير الخزانة سكوت بيسنت، أطلّت في جانب منها على التشابك بين «الحصار الحديدي» الشامل الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران وبين عقوباتها المتسلسلة على «حزب الله» وأذرعه المالية.
وشخصتْ الأنظارُ على اجتماعِ سلام – روبيو الذي جاء مباشرةً قبل لقاء وزير الخارجية الأميركي مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، نظراً إلى أهميةِ اللحظة التي عُقد فيها، وسط سعي بيروت إلى إحياءِ ديناميةِ المفاوضاتِ المباشرة مع إسرائيل وإخراجها من التعثّر والضغط لانعقاد جولتها الثامنة (في روما) قبل موعد انتخابات الكنيست، والأهمّ عدم تحويل أي تأجيلٍ لها حتى نوفمبر، كما يسود الاعتقاد، نافذة خطيرة يُخشى أن تستغلها تل أبيب ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو لفرض مزيد من الضغط العسكري الميداني في جنوب لبنان، ولا سيما عبر محاولة فرض واقع جديد يتجاوز «المناطق التجريبية» (جنوب الليطاني) بهدف تكريس ربط نزاعٍ بين الانسحاب من «المنطقة الأمنية» وبين سحب سلاح «حزب الله» شمال الليطاني.
ولاية «اليونيفيل»
وأشارت المعطيات التي توافرت عن لقاء سلام مع روبيو، وهو «العراب» الرئيسي لمسار المفاوضات المباشرة، إلى أن رئيس الوزراء اللبناني حمل معه الى اللقاء أيضاً مسألة انتهاء ولاية «اليونيفيل» آخِر السنة ورغبة بيروت في صيغة بديلة تحت راية الأمم المتحدة لتَفادي فراغٍ أمني في الجنوب، وهو ما ترفضه واشنطن باعتبار أن الأهدافَ النهائية لـ «الاتفاق الإطار» الثلاثي تُسْقِط الحاجة لـ «القبعات الزرق» أو ما يشبهها، وأن هذا الاتفاق له آليات تنفيذية للتحقّق، وإن لم تتبلور حتى الساعة.
وإذ عُلم أن رئيس الوزراء اللبناني أثار أيضاً مسألة الدعم الأميركي للجيش وإعادة الإعمار، وهو ما يُربط من واشنطن وأصدقاء لبنان بمساريْ الإصلاح المالي – المصرفي كما العنوان السيادي (حصر السلاح)، أوردت قناة «الجديد» اللبنانية أن روبيو استهلّ اللقاء بسؤال عن الأقليات الدينية في لبنان وتحديداً المارونية انطلاقاً من اهتمامه بالأقليات الكاثوليكية في العالم.
ولم يكن عابراً أن يحصل لقاء بعد مغادرة سلام مقرّ الخارجية بين وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي – الذي كان مع رئيس الحكومة خلال الاجتماع بروبيو – وسفير الولايات المتحدة في بيروت ميشال عيسى استمرّ لنحو 45 دقيقة، قبل أن يصف رجي المحادثات مع رئيس الدبلوماسية الأميركية بأنها كانت «ايجابية وصريحة».
«سيادة لبنان»
وفي البيان الذي أصدره المكتب الإعلامي لسلام عن لقاء روبيو أنه جرى البحث «في التطورات في لبنان والمنطقة، ومسار استعادة لبنان سيادته كاملة».
وشدد سلام على «أن لبنان يتطلع إلى شراكة متجددة مع الولايات المتحدة تواكب مشروع إعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها الشرعية»، مؤكداً «ضرورة الانتقال إلى مرحلة تفعيل الإطار الثلاثي وترجمة مبدأَيْ التَبادُلية والمَرْحَلية إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة على الأرض، بما يؤدي إلى استعادة لبنان كامل سيادته، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الدولة على كامل أراضيها».
وفي هذا السياق، أكد سلام «أهمية وضع جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات الواردة في الإطار، بما يَضمن تقدّم مساريْ الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، إلى جانب إنشاء آلية تَحَقُّق موثوقة لمتابعة التنفيذ والتأكد من الالتزام بالتعهدات، بما يحول دون استخدام عدم التنفيذ ذريعةً لتعطيل المسار».
وأكد «أن الإطار الثلاثي لا يَقتصر على الترتيبات الأمنية، بل يشمل أيضاً دعم جهود الحكومة في الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، وإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين وتثبيتهم في مناطقهم»، مشدداً في هذا السياق على «أهمية حشد الدعم الأميركي والدولي لمسار العودة والتعافي، ولا سيما في المناطق المتضررة من الحرب».
كما لفت الى «أهمية استمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني وتعزيز قدراته، بما يمكّنه من الاضطلاع بمسؤولياته وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها».
وبحسب المكتب الإعلامي لسلام، فقد أكد روبيو «التزام الولايات المتحدة بدعم لبنان ومؤسساته الشرعية، ومواصلة دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، وأهمية المضي في تنفيذ الإطار الثلاثي بما يحقق الاستقرار والأمن».
واستوقف أوساطاً سياسية كلام سلام مرة أخرى عن «مبدأَيْ التَبادُلية والمَرْحَلية» في سياق تنفيذ الاتفاق الإطار «بما يؤدي إلى استعادة لبنان كامل سيادته، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وحصر السلاح بيد الدولة على كامل أراضيها»، معتبرة أن دعوة رئيس الحكومة إلى «جدول زمني لتنفيذ الالتزامات بما يَضمن تقدّم مساريْ الانسحاب وبسط سلطة الدولة وحصرية السلاح» يعني واقعياً أن الجَدْوَلة ستكون في هذين العنوانين معاً وبالتوازي، وسط صعوبة تَصوُّر أن تكتفي تل أبيب بأن يشمل ذلك ترسانة الحزب داخل المنطقة الأمنية، وهي التي يُخشى أنها بدأت تطلق إشارات نحو أن معادلة «الخطوة مقابل خطوة» في الانسحابِ من المناطق التجريبية وانتشار الجيش اللبناني باتت تقوم على أن توسيع هذه المناطق يوازيه سحب سلاح من مناطق في شمال الليطاني.
ترسانة «حزب الله»
وإذ تتخوّف الأوساط من أن تحاول تل أبيب فرض هذا المسار بالقوة على طريقة إما يفكك الجيش اللبناني ترسانة «حزب الله» في مرتفعات إستراتيجية شمال النهر وإما تتولى الأمر بنفسها كما فعلت في تلة علي الطاهر، وهو ما وُضع في سياقه إعلانها الضمني وبالنار «إلى إقليم التفاح ومرتفعات جزين دُر»، لم يقلّ دلالة إكثارُ الجيش الإسرائيلي من تظهير إنهائه جانباً كبيراً من مهمات تدمير البنى العسكرية لحزب الله داخل المنطقة الأمنية، الأمر الذي قد يُفَسَّر على أنه في سياقاتِ التمهيد لإرساء المعادلات الجديدة التي لا تميز بين السلاح جنوب الليطاني وشماله.
وقد أعلن الجيش الإسرائيلي اليوم، «أن قوات فريق القتال التابع للواء 55، بقيادة الفرقة 91، عملت في المنطقة الأمنية جنوب لبنان لإزالة التهديدات عن دولة إسرائيل»، وأنها «دمرت خلال نشاطها أكثر من 600 بنية تحتية إرهابية، وبالتعاون مع قوات وحدة يهلوم دمرت ثمانية مسارات تحت الأرض، وعثرت على عشرات منصات الإطلاق التي تُركت في المنطقة الأمنية قبل دخول اتفاق وقف النار حيز التنفيذ».
وأضاف «استكملت القوات عملية عسكرية على مستوى اللواء في قرية المنصوري الواقعة ضمن المنطقة الأمنية، بهدف منع تنظيم حزب الله من إعادة التموضع في المنطقة الأمنية». وخلال العملية، عثرت القوات داخل منزل مدني في القرية على مسار تحت الأرض تابع للتنظيم ودمرته.
