أبعاد المكابرة الإيرانية بإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب


لماذا تصرّ إيران على التهديد المتكرر بإغلاق مضيق هرمز في الخليج العربي، ووقف مرور النفط إلى الأسواق العالمية؟ وهي التي لم تصدر نفطها ولا تستطيع أيضاً استيراد أي شيء تقريباً إلى موانئها إلا بموافقة البحرية الأميركية، ولماذا تسعى بصورة مباشرة أو عبر الجماعات الحليفة لها إلى تهديد الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، في وقت تدرك فيه أن أي اضطراب كبير في هذين الممرين لن يبقى محصوراً في المنطقة، بل سيمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره؟

إن التلويح بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل باب المندب لا يمكن اعتباره مجرد رسالة سياسية عابرة. فهذان الممران من أهم الشرايين البحرية لحركة الطاقة والتجارة الدولية، وأي تهديد جدي للملاحة فيهما يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، ويؤثر بصورة مباشرة في أسعار النفط والوقود والأسواق العالمية.

وتبدو المفارقة واضحة عندما تُستخدم الممرات البحرية أداة للضغط، في الوقت الذي تواجه فيه إيران نفسها قيوداً كبيرة على صادراتها النفطية وحركة موانئها. وفي المقابل، تواصل الدول العربية المنتجة للنفط تصدير الخام والمشتقات النفطية إلى الأسواق العالمية، بما يؤكد أن أمن الخليج وممراته البحرية لا يتعلق بدولة واحدة، وإنما بمنظومة دولية واسعة من المنتجين والمستهلكين وشركات النقل والطاقة.

كما أن أي استهداف للمنشآت النفطية أو الموانئ أو ناقلات النفط من شأنه أن يضيف مزيداً من المخاطر إلى سوق الطاقة، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العالمي على استقرار الإمدادات وانتظام حركة التجارة، وتدرك أن العالم لن يسكت بتوقف أكثر من 10 ملايين من الخليج وحوالي 5 ملايين برميل عبر باب المندب، فارتفاع سعر النفط لا ينعكس على البرميل وحده، وإنما ينتقل سريعاً إلى أسعار البنزين والديزل ووقود التدفئة والنقل، ثم إلى تكاليف السلع والخدمات في مختلف الدول.

وتزداد حساسية الوضع خلال فصل الشتاء، عندما يرتفع الطلب على الطاقة والتدفئة، ومع التعنت الإيراني قد يصل سعر البرميل إلى أكثر من 100 دولار، بينما قد تواجه الأسواق في الوقت نفسه اضطرابات في الإنتاج أو التكرير في مناطق أخرى من العالم. وفي مثل هذه الظروف، يمكن لأي تعطيل كبير ومفاجئ للإمدادات أن يفاقم الضغوط على الأسعار ويزيد تكلفة الطاقة بالنسبة إلى المستهلكين.

ولا يمكن لدولة واحدة أن تتحكم منفردة في سوق النفط العالمية أو أن تفرض على العالم بأسره واقعاً جديداً من خلال إغلاق ممر بحري. فأسواق الطاقة تقوم على شبكة معقدة من الإنتاج والتكرير والنقل والتخزين والتجارة، وترتبط بها مصالح اقتصادية وأمنية وإستراتيجية للدول الكبرى والمنتجة والمستهلكة على حد سواء.

ومضيق هرمز يمثل أحد أهم طرق نقل الطاقة من منطقة الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية وغيرها، بينما يشكل باب المندب حلقة إستراتيجية في حركة الملاحة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي وقناة السويس والأسواق العالمية. ولذلك فإن تهديد أي منهما يعني تهديداً مباشراً لجزء مهم من حركة التجارة الدولية.

إن العالم بحاجة إلى استمرار تدفق نفط الخليج العربي، سواء في صورة خام أو مشتقات مكررة، كما أن دول المنطقة نفسها بحاجة إلى استقرار طرق التجارة والملاحة.

لقد أثبتت التجارب أن أمن الطاقة لا يمكن أن يقوم على سياسة التهديد، وإنما على استقرار الممرات البحرية واحترام حرية الملاحة والتعاون بين الدول. ولهذا يجب أن يبقى الخليج العربي آمناً ومفتوحاً أمام التجارة العالمية، وأن تظل حركة الناقلات والسفن عبر مضيقي هرمز وباب المندب بمنأى عن التصعيد، لأن أمن هذه الممرات ليس شأناً إقليمياً فحسب، بل مصلحة اقتصادية عالمية.

وليبقَ الخليج العربي مفتوحاً وآمناً أمام التجارة والطاقة، ولتستمر ممراته البحرية جسوراً للتبادل بين الشرق والغرب، لا ساحات للتهديد والمواجهة.

كاتب ومحلل نفطي مستقل

[email protected]





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *