قلبي سليم… فلماذا لا تختفي النغزات؟


«دكتور، سويت كل فحوصات القلب وقالوا لي سليمة، بس النغزات والخفقان للحين موجودة… شالسالفة؟».

أسمع هذه الجملة كثيراً في العيادة. يجلس أمامي المريض وقد أنهى رحلة كاملة من فحوصات القلب، واطمأن أن قلبه سليم، لكن الأعراض مازالت موجودة.

ثم، وكأنه يذكر تفصيلاً لا علاقة له بالموضوع، يقول: «على فكرة دكتور… عندي حموضة وانتفاخ بعد».

وهنا تحديداً تبدأ القصة.

هل يمكن فعلاً أن تجعلك المعدة تشعر بأعراض تشبه أعراض القلب؟

أحياناً نعم… ولكن قبل أن نتحدث عن المعدة، هناك قاعدة لا ينبغي تجاوزها: القلب أولاً.

ألم الصدر والخفقان لا يجوز أن ننسبهما إلى الحموضة لمجرد أن المريض يعاني من مشاكل في المعدة. فإذا كان الألم جديداً أو شديداً، أو صاحبه ضيق في التنفس أو تعرّق، أو كان المريض مدخناً أو مصاباً بالسكري أو الضغط أو ارتفاع الكوليسترول، فالأولوية هي الاطمئنان على القلب.

لكن ماذا لو اطمأن طبيب القلب فعلاً، وكانت الفحوصات سليمة، بينما تستمر الأعراض… خصوصاً بعد وجبة ثقيلة أو عند الاستلقاء بعد الأكل؟

هنا تصبح المعدة جزءاً مهماً من القصة.

هناك مصطلح طبي قديم نسبياً يسمى متلازمة رومهيلد (Roemheld syndrome)، أو ما يُعرف بالمتلازمة المعدية القلبية. والفكرة ليست أن المعدة «تصيب القلب»، وإنما بعض أعراض الجهاز الهضمي والقلب قد تظهر لدى المريض في الوقت نفسه: انتفاخ وامتلاء وارتجاع من جهة، وخفقان أو ضغط في الصدر أو شعور بضيق النفس من جهة أخرى.

لكن كيف يمكن للمعدة أن تجعلنا نشعر بكل هذا؟

لا توجد إجابة واحدة تفسر جميع الحالات. إحدى الآليات المحتملة أن امتلاء المعدة وانتفاخها يؤثران في الحجاب الحاجز القريب من القلب. وهناك أيضاً العصب الحائر الذي يشكل أحد أوجه الاتصال العصبي بين الجهاز الهضمي والقلب. وفوق ذلك، قد يسبب الارتجاع المريئي نفسه حرقة أو ألماً خلف عظمة القص، وهو مكان يجعل التمييز بين ألم الجهاز الهضمي وألم القلب صعباً أحياناً على المريض.

وهنا تأتي الملاحظة التي أجدها لافتة في العيادة: المريض نفسه غالباً يعطي طبيبه الخيط الأول.

يقول: «دكتور، لاحظت أنها تزيد بعد العشاء». أو: «إذا نمت بعد الأكل مباشرة تبدأ النغزات»، ثم يضيف: «وفي الأيام التي تكون فيها معدتي مرتاحة… تخف».

هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها مهمة، لأن توقيت الأعراض وعلاقتها بالطعام قد يساعد الطبيب على فهم الصورة بشكل أفضل، وهذا الارتباط الزمني هو أحد الأشياء التي تستحق الانتباه عند تقييم مثل هذه الحالات.

لكن هنا يجب أن نتوقف عند نقطة شديدة الأهمية: متلازمة رومهيلد ليست بطاقة جاهزة نضع عليها كل نغزة في الصدر.

وليست عذراً لتجاوز تقييم القلب، فالخطأ ليس في التفكير بالمعدة بعد الاطمئنان إلى القلب؛ الخطأ أن نطمئن على المعدة قبل أن نطمئن على القلب، واستخدام هذا التشخيص بصورة متسرعة قد يؤخر اكتشاف مشكلة قلبية حقيقية.

فماذا نفعل إذاً بعد استبعاد السبب القلبي؟

نعود إلى الأشياء التي نستطيع علاجها فعلاً. إن كان هناك ارتجاع مريئي، نعالجه. وإن كان هناك انتفاخ أو عسر هضم، نتعامل معه. ثم نراقب شيئاً مهماً: هل تتحسن النغزات والخفقان عندما تتحسن المعدة؟

إذا تحرك الاثنان معاً، فقد نكون أمام جزء مهم من تفسير ما يحدث.

وفي النهاية، إذا خرجت من عيادة القلب بنتائج مطمئنة، ومازلت تشعر بتلك الأعراض، فلا تتجاهلها… ولكن لا تفترض الأسوأ أيضاً.

اسأل نفسك: متى تبدأ؟ ماذا أكلت قبلها؟ هل تظهر بعد وجبة ثقيلة؟ هل تزيد عند الاستلقاء؟ وهل تخف عندما تهدأ المعدة؟

أحياناً تكون هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تساعد الطبيب على رؤية الصورة كاملة.

وربما أكثر ما يحتاج إليه بعض المرضى بعد رحلة طويلة بين الفحوصات ليس دواءً جديداً، بل طبيباً يقول لهم:

«نعم، ما تشعر به حقيقي… والآن دعنا نبحث عن سببه».





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *