إسرائيل تُحدد تركيا كـ «خصم إستراتيجي» بعد إيران


– خيار نتنياهو… عندما تعجز الدبلوماسية عن الحفاظ على الهيمنة الإسرائيلية تتولى القوة العسكرية فرضها

– حديث نتنياهو عن «محور ناشئ» يضفي طابعاً أيديولوجياً على هذا التنافس

– نشر رادارات وصواريخ أرض
– جو تركية في سوريا من شأنه أن يغير موازين القوى من دون الحاجة إلى مهاجمة إسرائيل فعلياً

في 22 فبراير 2026، وقبل ثلاثة أيام من وصول رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إلى إسرائيل، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن إستراتيجيته الإقليمية التالية، قائلاً إن بلاده ضربت «المحور الراديكالي» بقيادة إيران، لكنها تواجه الآن «محوراً راديكالياً صاعداً» آخر. واقترح «مضلعاً سداسياً» يربط إسرائيل بالهند واليونان وقبرص ودول أخرى مختارة.

لم يذكر نتنياهو اسم تركيا صراحةً. لكن تصريحاته اللاحقة والعمليات الإسرائيلية في سوريا أوضحت الهدف المقصود. فتركيا تمتلك ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف «الناتو» وصناعة دفاعية متنامية وموارد تُمكّنها من المساعدة في إعادة بناء دولة سوريا مركزية. لا تعترض إسرائيل على وجود الجنود الأتراك في سوريا فحسب، بل على التداعيات الإستراتيجية لسوريا محمية من قِبل أنقرة.

من قاعدة T4 إلى «أبوالظهور»

في أبريل 2025، شنت طائرات إسرائيلية هجمات على قواعد T4 الجوية في تدمر وحماة، بعد أن قامت فرق عسكرية تركية بتفقدها تمهيداً لنشرها المحتمل بموجب اتفاقية دفاعية مع الحكومة السورية الجديدة. وذكرت التقارير أن المخططين الأتراك كانوا يدرسون إمكان استخدام قاعدة «تي-4» لنشر الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي. وقد حذرت هذه الضربات أنقرة من أن إسرائيل لن تقبل بوجود تركي يقيد عملياتها في المجال الجوي السوري. فقد اعتبر المسؤولون الإسرائيليون الدفاعات الجوية التركية هناك تهديداً.

في 18 أغسطس 2026، كررت إسرائيل التحذير في قاعدة «أبوالظهور» الجوية شمال غربي سوريا، على بعد نحو 70 كيلومتراً من الحدود التركية، وشنّت 8 غارات جوية استهدفت مدرجها ومستودعاتها.

في تصريح لاحق، أوضح نتنياهو، الهدف من الهجوم قائلاً «لن نتسامح مع أي زحف عسكري تركي جنوباً». وأضاف في بودكاست إذاعي للجيش الإسرائيلي أن تل أبيب كانت قد حذرت تركيا من التمركز في مطار قرب حلب، لكن أنقرة لم تفهم الرسالة على ما يبدو. ونتيجة لذلك، وجّهت إسرائيل التحذير «في شكل أكثر وضوحاً».

أقرّ البيان ضمنياً بمسؤولية إسرائيل، وهدّد أنقرة صراحةً. وادّعى نتنياهو أن لإسرائيل الحق في تحديد أمكنة انتشار القوات التركية داخل الأراضي السورية ذات السيادة، حتى لو دعتها دمشق. وأصبح القصف الأداة التي استخدمتها إسرائيل لفرض هذا الحق المزعوم.

اتهمت تركيا، نتنياهو باتباع سياسات توسعية. ووصف المبعوث الأميركي توم براك، الهجوم بأنه «تصعيد غير مبرر»، وحذّر من أن تركيا كان بإمكانها الرد عسكرياً. وسعت واشنطن لاحقاً إلى تعزيز ترتيبات تجنب الصدام بين تركيا وسوريا وإسرائيل. برر مكتب نتنياهو الضربة بادعاء أن سوريا كانت على وشك انتهاك تفاهم أمني.

وجاءت العملية عقب محادثة، بحسب التقارير، بين مدير «الموساد» الإسرائيلي رومان جوفمان ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. وقد أعربت إسرائيل عن اعتراضها دبلوماسياً، ثم فرضته بتدمير البنية التحتية السورية.

تركيا داخل سوريا

لم يبدأ التدخل التركي في سوريا بسقوط بشار الأسد. فقد رسّخت أنقرة وجوداً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً كبيراً في شمال سوريا خلال الحرب الأهلية. ودخلت قواتها عبر ثلاث عمليات بين عامي 2016 و2019. كما أنشأت أنقرة نقاط مراقبة حول إدلب بموجب اتفاقيتي أستانا وسوتشي لمراقبة وقف النار.

ولم يستعد الأسد، إدلب أو أي أراضٍ واسعة على طول الحدود التركية. دعمت أنقرة منظمات المعارضة، وأبقت على قواتها، وزودت الإدارات المحلية. وتداولت الليرة التركية جنباً إلى جنب مع الليرة السورية، واعتمدت المجالس المدعومة من أنقرة أنظمة إدارية وتسجيل مركبات مرتبطة بالمحافظات التركية المجاورة. وتم إدخال اللغة التركية في المدارس، بينما دعمت أنقرة المستشفيات وشبكات الاتصالات والكهرباء وقوات الأمن المحلية.

أُديرت إدلب من قبل حكومة الإنقاذ التابعة لـ «هيئة تحرير الشام»، بينما سيطرت المجالس المدعومة من تركيا على مناطق أخرى. واعتمد كلا الطرفين اعتماداً كبيراً على أنقرة.

تسامحت إسرائيل مع هذا الوضع طالما بقيت سوريا ممزقة وبقي النفوذ التركي محصوراً قرب الحدود. لكن حساباتها تغيرت عندما تولى حلفاء أنقرة السلطة في دمشق. أصبح بإمكان تركيا الآن تحويل نفوذها في الشمال إلى علاقة مع الدولة السورية والمساعدة في بناء جيش وطني وإعادة تأهيل القواعد الجوية وإنشاء دفاعات جوية. ما قبلته إسرائيل كوجود تركي محدود أصبح غير مقبول بمجرد أن وفر هذا الوجود أساساً لإنعاش سوريا.

مشروعان إقليميان متناقضان

تريد أنقرة من دمشق السيطرة على الأراضي السورية وتقييد الحكم الذاتي المسلح للأكراد وتسهيل عودة اللاجئين وإعادة فتح العلاقات التجارية العربية. إن وجود سوريا فاعلة ومستقرة من شأنه أن يعزز نفوذ تركيا في منطقة المشرق العربي بأكملها.

في المقابل، تسعى إسرائيل إلى بقاء سوريا ضعيفة وعاجزة عن تقييد عملياتها أو إعادة بناء ترسانتها من الأسلحة الإستراتيجية أو تحدي احتلالها لهضبة الجولان والأراضي التي قد تُنتزع بعد سقوط نظام الأسد. وهي تشترط جعل الجنوب منطقة منزوعة السلاح، والحد من تسليح الجيش، وضمان حرية توجيه ضربات عسكرية في أي مكان داخل سوريا.

إن نشر رادارات وصواريخ أرض – جو تركية في قاعدتي «تي-4» (T4) أو «أبوالظهور» من شأنه أن يغير موازين القوى من دون الحاجة إلى مهاجمة إسرائيل فعلياً؛ إذ يتيح هذا الوجود مراقبة الطائرات الإسرائيلية، وتعقيد أي ضربات مستقبلية، وتقوية موقف دمشق في المفاوضات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي. فالخلاف هنا ليس مجرد نزاع عرضي حول قاعدتين جويتين، بل يتعلق بمن سيحدد الهيكل الأمني لسوريا.

يقوم نموذج نتنياهو، على افتراض أن التحالفات تتبع الهيمنة العسكرية؛ إذ يجب إضعاف الخصوم وإقناع الحكومات المجاورة بأن التكيف مع إسرائيل أكثر أماناً من المقاومة، مع توقع أن تخلق القوة الظروف المؤاتية للتطبيع.

في المقابل، تعتمد تركيا في شكل أكبر على التضامن والتكامل الاقتصادي وتقاطع المصالح، حيث تقدم التدريب العسكري وتكنولوجيا التصنيع الدفاعي والتبادل التجاري والدعم السياسي مقابل الحصول على النفوذ.

ولا ينبع هذا السلوك من دافع الإيثار، فتركيا تسعى لتحقيق أهدافها الخاصة، لكنها تقدم شراكاتها في صورة تعاون بين دول ذات سيادة، وليس خضوعاً لقوة عسكرية متفوقة. فبينما تُظهر إسرائيل تكلفة المعارضة، تركز تركيا على فوائد التعاون.

لقد أضفى حديث نتنياهو، عن «محور ناشئ» طابعاً أيديولوجياً على هذا التنافس؛ ففي يوليو، حث دونالد ترامب، على عدم إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف – 35»، واصفاً حكومة رجب طيب أردوغان، بأنها تشكل خطراً على التوازن الإقليمي.

ولا تقتصر اعتراضاته على منظومة الصواريخ الروسية «إس – 400» التي تمتلكها تركيا؛ فأنقرة تصنّع الطائرات المسيرة والصواريخ والسفن الحربية، ولديها قوات منتشرة في ساحات عمليات عدة. ومن شأن أنقرة التي تتمتع باستقلالية عسكرية أن تقيّد حركة إسرائيل من دون الاعتماد الكلي على واشنطن.

ورغم أن اندلاع حرب مباشرة بين تركيا وإسرائيل يظل أمراً مستبعداً – مع سعي واشنطن للحيلولة دون وقوع مواجهة عرضية – إلا أن إسرائيل، وإن كانت قادرة على عرقلة الانتشار العسكري التركي، تجد أن كل ضربة تشنها تعزز حجة أنقرة القائلة بأن سوريا بحاجة إلى حماية.

تعتبر تركيا، الدولة السورية ذات السيادة ركيزة أساسية لأمنها، بينما ترى إسرائيل في سوريا المحمية تركياً عقبة أمام حريتها العسكرية. وتكشف قضية قاعدتي «تي-4» و«أبوالظهور» عن الخيار الذي تبناه نتنياهو: فعندما تعجز الدبلوماسية عن الحفاظ على الهيمنة الإسرائيلية، تتولى القوة العسكرية فرضها.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *